حمى ضرية ...
تعود تسمية ضرية كما ذكرنا إلى ضريّة بنت ربيعة بن نزار بن معد
بن عدنان ..
وقد كانت ضرية العدنانية مجدودة نالت نصيباً وافراً من المجد
في شخصيتها فتألق نجمها، ودوى اسمها في التاريخ بنسبة حماها
إليها، كما سنقص فيما يأتي ..
يتردد اسم ضرية بين العلماء: رواة وشعراء وأدباء، بفضل نسبة
حماها إلى ضريّة بنت ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان كما
أسلفنا، ومرجع التسمية والإضافة تكّفل به علماء اللغة وتقويم
البلدان.
فأما علماء اللغة فيقول ابن منظور في اللسان مادة (ضرا):
((ابن السكيت الشرف كبد نجد، وكانت منازل الملوك من بني آكل
المرار، وفيها اليوم حمى ضرية، وفي حديث عثمان كان الحمي: حمى
ضرية على عهده ستة أميال، وضرية امرأة سمى الموضوع بها، وهو
بأرض نجد)) ويقول المجد في القاموس مادة (الشرف): ((الشرف جبل
قرب جبل شريف، وشريف أعلى جبل ببلاد العرب وقد صعدته وفي الشرف
حمى ضرية والربذة)).
وأما علماء تقويم البلدان فيقول ياقوت في معجم البلدان :
((ضَرية))
بالفتح ثم الكسر وياء مشددة، وهي قرية عامرة قديمة على وجه
الدهر في طريق مكة من البصرة من نجد...
وقال ابن الكلبي: سميت ضرية، بضرية بنت ربيعة بن نزار وهي أم
حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة هذا قول السكوني...
وقال أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني أم خولان وإخوته بنو
عمرو بن الحاف ابن قضاعة، ضرية بنت ربيعة بن نزار، وفي ذلك
يقول المقدام بن زيد سيد بني حي بن خولان:
نمتنا إلى عمرو عروقٌ كريمةٌ
أبونا سما في بيت فرعى قضاعة
وأمي ذات الخير بنت ربيعة
غذتنا تبوك من سلالة قيذَر
فنحن بنوها من أعز بنيَّةً
وأعمامنا أهل الرياسة حميرٌ
وخَولانُ معقودُ المكارم والحمد
له
البيت منها في الأرومة والعد
ضرية من عيص السماحة والمجد
بخير لبان إذ ترشح في العهد
وأخوالنا من خير عود ومن زند
فأكرم بأعمام تعود إلى جد
ثم
استطرد ياقوت فيما نقل : وماء ضرية عذب طيب... قال بعضهم:
ألا يا حبـــــذا لبن الحلابا بمــــــاء
ضريــة العــذب الزلالا
ثم نقل عن الأصمعي بعض ما رأى فيها من أحاديث شهية، واطراء
ساكنيها لها واغتباطهم بتوطنها.
ويقول في (الحمى): الحمى بالكسر والقصر وأصله في اللغة الموضع
فيه كلأ يحمي من الناس أن يرعوه... وقال الأصمعي: الحمى حميان
حمى ضرية وحمى الرِّبذَة، قال المؤلف: ووجدت أنا حمى فَيد وحمى
النير وحمى ذي الشرى وحمى النقيع.. فأما حمى ضرية فهو أشهرها
وأسيرها ذكرا، وهو كان حمى كليب بن وائل كما قال بعض أهل بادية
طيء، قال ذلك مشهور عندنا بالبادية يرويه كابرنا عن كابرنا...
قال وفي ناحية منه قبر كليب معروف أيضاً إلى اليوم وهو سهل
الموطيء كثير الخلة وأرضه صلبة ونباته مسمنة، وبه كانت ترعى
إبل الملوك...
وللعرب في الحمى أشعار كثيراً ما يعنون بها حمى ضرية، قال
أعرابي من بني كلاب :
ومن يك لم يغرض فإني وناقتي
أليفاً هوى مثلان في سر بيننا
تحِنُ فتبدى ما بها من صبابة
بحجر إلى أهل الحمى غرضان
ولكننا في الجهر مختلفان
وأخفى الذي لو لا الاُّسى لقضاني
وقال أعرابي آخر:
خليلي ما في العيش عيب لو اننا
ليالي أثواب الصبا جُددُ لنا
وجدنا لايام الحمى من يعيدها
فقد أبهجت هذى عليها جديدها
يقول الأصمعي: ( سمعت صبية بحمى ضرية يتراجزون فوقفت وصدوني عن
حاجتي، وأقبلت أكتب ما أسمع، فأقبل شيخ فقال: اتكتب كلام هؤلاء
الاقزام الادناع؟ )
أما في العصر الإسلامي فقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بأن تكون مراعي ضرية حمى لإبل الصدقة ترعى فيه، وضرية هي مركز
هذا الحمى، نظراً لطيب مراعيها ومرابعها خلال فصل الربيع، حيث
تجود بأعشاب نادرة وأزهار متفتحة وجميلة.
ويقال: إنه استعمل على الحمى مولى يدعى هنياً فقال له: يا هني
اضمم جناحك للناس واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة،
أدخل رب الصَّريمة، ورب الغنيمة، وإياك وإبل ابن عفان ونعم ابن
عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يـرجعا إلـى زرع ونـخـل، وأن رب
الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ما شيته يأتيني فيقول: يا أمير
المؤمنين أفتاركهم ـ لا أبا لك ـ الماء والكلأ أيسر عليّ من
الذهب والورق، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في
سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً.
وقد ورد ذكر (ضرية) في غزوة أرسلها رسول الله صلى الله عليه
وسلم على رأسها أبو بكر الصديق رضي الله عنه من المدينة
المنورة ذكرها الإمام محمد بن سعد فقال: ثم سرية أبي بكر
الصديق إلى بني كلاب بنجد ناحية (ضرية) في شعبان سنة سبع من
مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لم
تغير الايام معالم الحمى، فلبث يتردد اسمه في الجاهلية
والاسلام، حتى عهد ابن السكيت المتوفى سنة 244 هـ، إذ يقول:
كما سلف لك فيما نقل عنه ابن منظور في اللسان: ((وفيها اليوم
حمي ضرية))
وحتى الآن آثارها من بئر وسد معروفة لدى أهالي ضرية , ولازالت
آثارها قائمة حتى الآن ...